اللغة السومرية .. الثقافة الأولى في التأريخ

بقلم : عضيد جواد الخميسي ( باحث عراقي مقيم في تورنتو)

كان الناس يتكلمون اللغة السومرية في جنوب بلاد الرافدين قبل الألفية الثانية ما قبل الميلاد ، وهي أول لغة مكتوبة بالخط المسماري في التاريخ ، وقد اعتبرها العلماء لغة مستقلة أو منفردة ، أي بمعنى ، لا يُعرف لها أيّ ارتباط مع لغة أخرى من لغات الأسلاف ، فعلى الرغم من وجود بعض النظريات التي تفيد بأن السومرية هي احدى لغات الأورال مثل الهنغارية ، والفنلندية ، أو غيرها من العوائل اللغوية ، إلا أن هذه الفكرة هي وجهة نظر قلّة من العلماء لعدم وجود أدلّة كافية في إثباتها .
استمرّ استخدام اللغة السومرية في المنطقة عندما كان هناك بعض اللغات السامية قد انتشرت ، وخاصة اللغة الأكدية . ولم يعد للسومرية نطقاً بعد تغلغل تلك اللغات الجديدة ، وذلك بحلول مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد ، وبما أنها كانت لغة مكتوبة ، فقد استمرت لمدة 2000 سنة أخرى . كان للغة السومرية تأثير ملحوظ أيضاً على اللغات الأخرى في المنطقة ، عندما تعلّق الأمر بمعجمها وقواعدها النحوية وأنماط كتابتها .  

التطور التاريخي للغة

نقش سومري على لوحة حجرية قياس 9.2 × 9.2 × 1.2 سم ، 6 + 6 أعمدة ، 120 مقصورة من الكتابة المسمارية الأثرية من قبل كاتب خبير. الصورة عبارة عن تفاصيل ، تُظهر حوالي نصف وجه واحد من اللوحة. النص عبارة عن قائمة “هدايا من عظمة وأدب إلى الكهنة ، بمناسبة انتخابها للمعبد”. من موقع ويكيبيديا

لا يُعرف الكثير عن تأريخ وصول الناطقين باللغة السومرية إلى جنوب بلاد الرافدين ، على افتراض لم يكن لهم وجود من قبل على تلك الأرض . في كلتا الحالتين ، ومنذ فترة بعيدة جداً ، كان هنالك شعب متعدد اللغات في جنوب بلاد الرافدين ، ومنها اللغة السومرية ( وهي نمط قديم في اللغة الأكدية أيضاً من وجهة نظر العلماء ) ، والحورينية ( لغة تحدّث بها سكان أعالي بلاد الرافدين / مناطق الأناضول ) ، وبعض اللغات السامية . 

افترض عدد من العلماء احتمال وجود مصدر للغة غير معروف لديهم الآن ، أو لربما هنالك دوافع غريبة وقوية قد أثرّت على اللغة الاصليّة في المنطقة ، وذلك بسبب وجود كلمات أصولها مجهولة في الكتابات السومرية . ومع ذلك ، فقد ثبت أن هذه الكلمات إما أنها مستعارة من لغات اخرى معروفة لدى السومريين ، أو أنها كلمات مركبة أصلاً في اللغة ، أو أنها كانت كلمات شائعة في عدد من اللغات التي لا يعرف لها جذور واضحة .
الطور الأول للغة المكتوبة ، مجموعة من الاسطوانات والألواح التي تعود إلى سلالة أوروك الرابعة (3200 قبل الميلاد)، وفي معظمها هي نصوص لأوامر إدارية ، لكن البعض منها ، عبارة عن فهرس للكلمات التي تستخدم في تعلّم الكتابة . وقد كتب الباحث وخبير اللغات الشرقية القديمة “جيسون موسر” في تعليقه عن تلك النصوص :
” لقد تم الطعن في الأصل السومري لهذه النصوص ، ويرجع ذلك إلى حقيقة أن الرموز كثيرة ، ويمكن قراءتها بأيّة لغة . فعلى سبيل المثال ، يمكن قراءة ثلاثة خطوط مستقيمة محفورة الى جانب صورة ثور ، يُفهم من ذلك على أنها “Three Oxen” ( ثلاثة ثيران) في اللغة الإنكليزية ، و “drei Ochsen” في اللغة الألمانية ، و “tres bueyes” في اللغة الإسبانية ، وما إلى ذلك . لن يتغير معنى الكتابة باختلاف اللغة . ومع ذلك ، فإن وجود مكمّلات لفظية ، وكذلك هجاء صوتي يوجّه القارئ إلى النطق الفعلي ، وهذا يجعل من شبه المؤكد أن اللغة كانت بالفعل سومرية “.
بعد حوالي 400 سنة من كتابة تلك النصوص ، هناك مجموعة اخرى أمكن الحصول عليها من مدينة أور والتي يعود تاريخها الى عام 2800 قبل الميلاد ، وهي كمثيلاتها التي عثر عليها في أوروك ، عندما استخدمت لاغراض ادارية وتعليمية .

إناء إنتيمينا يرجع الى عهد ملك لاغاش ،حوالي 2400 قبل الميلاد موجود في متحف اللوفر باريس من موقع ويكبيديافكرة علماء الآثار عن الإرث اللغوي السومري باعتباره الثقافة الأولى في التاريخ ، أصبحت أكثر نضجاً من خلال دراسة تاريخ الفترة المبكرة للسلالة السومرية الثالثة عام 2500 قبل الميلاد ، وخاصة عند مواقع مثل ، تل فارا ـ شوروباك Shuruppak ( منطقة الفرات الاوسط ، الديوانية ) ، وتل أبو صلابيخ Abu Salabikh ( نيبور/ عفر ـ شرق الديوانية ـ عفك) . من هذين الموقعين تمكن الآثاريون ولأول مرّة الحصول على مخطوطات سومرية مثل ، “ترنيمة معبد كيش” ، و”تعاليم شوروباك “، وكذلك “دستور لوغال باندا” ( الملك الشاب ) ، و”الإلهة نينسون Ninsun” (والدة كلكامش ) ـ التي فاقت حدود المفاهيم العلمية للاقتصاد والإدارة عندما طغت عليها الأساطير والخرافات . على الرغم من صعوبة قراءة تلك النصوص ، الاّ ان الخبراء قد تمكنوا من فكّ شفرة الألغاز الأدبية التي تتعلق بنشوء الخليقة وبناء معبد الإلهة وغيرها من الفعاليات والنشاطات الدينية .
في هذه النصوص تعرّف العلماء على عدد كبير من أسماء المدّونين والكتّاب والوظائف ، والتي هي أكدية الأصل ، مما يشير إلى أن اللغتين كانتا متشابكتين خلال تلك الفترة التي كان فيها التأثير السومري هو الأكبر على العالم القديم ، كما يتضح ذلك من النصوص التي عثر عليها في الممالك والمدن التي كانت خارج بلاد الرافدين ، مثل ، ماري ، وايبلا ، تل بيدر ، و تل برك ، عندما أستخدم كتّابها النمط المسماري في اللغة السومرية مع لغاتهم السامية المحلية في كتابة النصوص المختلفة .
ليس هناك الكثير من الأدلّة عن الكتابة السومرية خلال الفترة السرجونية (حوالي 2300 – 2100 قبل الميلاد) ، عندما كان يتم تدريب الكُتّاب بمستوى عال من التعليم ( الموظفون الحكوميون ) في أكد ، ومن ثم إرسالهم للمساعدة في تسيير شؤون الناس في كل جزء من أجزاء العالم الأخرى . لكن هؤلاء الكتّاب المبعوثون استخدموا الأكدية كلغة في تعاملاتهم الرسمية ، مما جعل بصمة بلاد سومر في المناطق البعيدة غير واضحة . ومع ذلك ، استمرت بعض المناطق في أكد باستخدام الكتابة السومرية لإدارة شؤونها الداخلية .

رساله أرسلت من كاهن Lu’enna إلى ملك لكش (ربما أوروكاجينا )، يبلغه بوفاة ابنه في القتال، ج. 2400 قبل الميلاد ، وجدت في تلوه (جيرسو القديمة) موقع وكيبيديا

كان هناك إلى حد ما عودة للكتابة السومرية خلال فترة أور الثالثة (حوالي 2100 – 2000 قبل الميلاد) ، وأول ملوك تلك الفترة ، الملك “أورـ نمو “والملك “شولجي ” اللذان استخدما الكتابة المسمارية السومرية في تمشية شؤون مواطنيهما . ومع ذلك ، لم تكن اللغة المكتوبة تعكس أي لغة عامية منطوقة في تلك المرحلة .
في عالم الأدب ، استبدل الملك شولجي التقاليد والمناهج المفعمة بالأساطير والخرافات القديمة من الألفية الثالثة لما قبل الميلاد ، بمناهج دراسية جديدة تقدم نمطاً متميزاً من التراتيل الملكية والصلوات الدينية . كانت تلك الفترة أيضاً التي تم فيها تأليف الأعمال الشهيرة مثل (لعنة أكد ) و (شريعة أورـ نمو ) . ومن المعاصرين للملك أورـ نمو ، الملك “كوديا “، ملك لكش المشهور، وهو الشخصية المشتركة في معظم النصوص المكتوبة على الأسطوانات والتماثيل . إذ جاء في مقطع أحد النصوص ” في احدى الليالي ، جاء إله المدينة (نينورتا ـ وهو إله الشعير، والقانون ، والكتابة ، والزرع ، والصيد ) إلى الملك كوديا في المنام وأمره ببناء معبد إينينو (المضاء بـ “50” شعلة ) في لكش ، وهو ما فعله حقاً ” .
يتفق معظم العلماء على أن الناس قد توقفوا عن التحدث باللغة السومرية بالكامل (إن لم يكن في وقت سابق) خلال الفترة البابلية القديمة (حوالي عام 2000 قبل الميلاد) . على الرغم من أن اللغة لم تعد منطوقة ، إلا أن الكتّاب البابليين القدامى أعادوا إحيائها كلغة أدبية .

في الواقع ، كان معظم الأدب السومري الذي يأتي إلينا ، من خلال فترة الـ 2000 عام قبل الميلاد .
عن هذا الأمر ، كان هناك الكثير من النقاشات عن ماهيّة التوافقات التي حصلت ما بين الكتابات البابلية في العهد القديم ، وكتابات العهد البابلي الجديد ، جرى ذلك كلّه من خلال اللغة السومرية الموغلة في القدم . إذ تأتي غالبية تلك الكتابات ، من مواقع بابل الجنوبية مثل أور ، و نيبور، ولكنها كانت فقط قبل وخلال فترة حكم الملك “سمسوـ إيلونا – ابن الملك البابلي حمّورابي ” ، الذي تخلّى عن مدينة نيبور بعد نجاح الثورة الذي قادها البطل السومري ” إيلوما أيلو” وتحريرها من السيطرة البابلية ..
في شمال بابل ، لم تتغير التقاليد الادبية التراثية حتى الغزو الذي قاده الملك الحيثي “مرسيلي الأول ” حوالي 1595 قبل الميلاد ، وعُرف ذلك ، عندما وجد العلماء بعض النصوص الشهيرة المكتوبة في بداية هذه الفترة ، أو التي تم نسخها من فترة سابقة لتشمل قائمة الملوك السومريين ، و مرثية أور ، ونزول الإلهة إنانا إلى العالم السفلي ، وكذلك قصص وأساطير إنميركار ، و لوغال باندا ، وكلكامش .

نموذج لخاتم كان يستخدمه الحكام الأكديون الأوائل. الصورة لخاتم حاكم الإمبراطورية الأكادية نارام سين 2250 قبل الميلاد من مقتنيات المتحف البريطاني موقع وكيبيديا

كتابة اللغة ولهجاتها
السومرية هي اللغة الأولى المكتوبة في الخط المسماري ، وعلى الأرجح تم تطوير الكتابة لتوظيفها في هذه اللغة. أُستعين في الأصل عند كتابة المخطوطات بعدد من العلامات والرموز ، وهذه الرموز كانت تعبّر عن الفكرة بدلاً من الكلمة أو الصوت ، وبالتالي يمكن فهمها تقنياً بأي لغة . كما تم تطوير الكتابة تدريجياً وحسب ما اقتضته الضرورة ، فقد ربط السومريون الكتابة المقطعية مع العلامات التي تساعد في ظهور الكلمة وفهم معناها . على سبيل المثال ، العلامة (كا ka) ، التي تشير الى صورة للفم ، عند هذه الحالة ، فأن العلامة (كا) يمكن أن توضع في أية مقطع مطلوب صياغته .
(كانت هناك طريقة متبعة مثيرة للاهتمام في تمييز المعاني الدقيقة لمجموعة الرموز المكتوبة والتي حدثت تحديداً خلال الألفية الثالثة ما قبل الميلاد . يشار إليها اختصاراً “يو جي أن UGN ” أو ” يود ، غال ، نان UD.GAL.NUN ” ، حيث أن العلامات يمكن تهجّيها . تتميز طريقة الكتابة هذه بنطق غير نمطي أو معتاد في بعض منها . على سبيل المثال ، عند قراءة مقطع لاسم الإله (أنليل ) على قاعدة العلامات UD.GAL.NUN بطريقة أخرى تعطينا نطقاً مختلفاً ( دير. إين .لل diŋir.en.lil ) والذي لا علاقة له بالمعنى المطلوب . هناك عدد من الأمثلة عن هذه القراءات الغير ملتزمة بقواعد اللغة ، لكنه يبدو أنها لم تعد تمارس بعد هذه الفترة .)( جيسون موسر)

مثال آخر على شذوذ النطق في اللغة السومرية المكتوبة ، إذ عادة مايشار إلى مقطع ( إيم ـ سال Eme-sal ) بأنه لهجة سومرية شاذة على عكس ( إيم ـ غير eme-gir ) أو (اللهجة الرئيسية ) السومرية . تقتصر كتابة (إيم ـ سال )على نصوص الطقوس الدينية ، خاصة نصوص الرثاء للكهنة المتوفين ، وكذلك المقاطع التي تتحدث بها بعض الآلهة الى الناس ، على الرغم من أن هذه الآلهة لهجتها (إيم ـ غير) في نصوص أخرى .
إلاّ ان العلامة (سال) يمكن أن يكون لها قراءة ذات مغزى ، باعتبارها كلمة معناها (إمرأة )، فقد افترض الباحثون أن (إيم ـ سال ) عبارة عن لهجة خاصة في مخاطبة النساء .. ومع ذلك ، فإن العلامة سال لديها معنى آخر وهو (رقيق ، أو ناعم )، ويمكن أن تشير ببساطة إلى شيء يختلف باختلاف الآلهة والكهنة الذين يؤدون الطقوس الدينية وشعائرها . هناك رأي آخر تم طرحه ، وهو أن كهنة المعابد لربما كانوا مخصّيون ، ولكن لا يوجد دليل على الإخصاء في ثقافة جنوب بلاد الرافدين القديمة .

التراث السومري
اعتمد المدوّنون البابليون النصوص السومرية بقوّة في كتاباتهم لضرورة الحفاظ على التراث الأدبي والديني القديم الذي زخر بمفاهيم السحر والخرافة خلال الفترة البابلية القديمة ، ولكن بعد عام 1595 قبل الميلاد ، ضعف استخدام الطور السومري في الكتابة بشكل ملحوظ . وقلّ الاعتماد تدريجياً على النصوص السومرية كمرجع في الأنشطة المختلفة ، وخاصة في الأناشيد الملكية والتراتيل الدينية خلال سلالة أور الثالثة ، وحتى تلك التي استمرت ، كانت مكتوبة فقط في عمليات الترحيل الثنائي للغة (الأكدية مع اللغات الأخرى ) . ومع ذلك ، فقد استمر تدريس اللغة في المدارس إلى فترات متقدمة ، وكانت حتى الابتهالات الدينية تنسخ من النصوص السومرية خلال الفترتين الفارسية و الهلينية .
عثر على ألواح طينية خلال سبعينيات القرن الماضي في مدينة بابل الأثرية ، تحوي نقوشاً لتلاميذ مبتدئين يتعلمون كتابة نص في اللغة المسمارية ، وقد كانت الكتابة المسمارية في جانب من اللوح يقابلها ترجمة النص في الإغريقية عند الجانب الآخر منه . وان آخر لوح مسماري معروف عثر عليه في بابل ، كان عبارة عن نص فيه تفسير لظاهرة فلكية يرجع تاريخه إلى سنة 75 ميلادية . ومن المحتمل أن هذا النمط في كتابة النصوص قد توقف استخدامه نهائياً فيما بعد .
في الزمن الحاضر، يتم تدريس اللغة السومرية في عدد من الجامعات العالمية المعروفة ، ومن المحتمل ، فأن الذين يتقنون السومرية نطقاً وكتابة ، لايتجاوز عددهم بضع مئات من الأشخاص في جميع أنحاء العالم . فلا يزال هناك الكثير من النقاش حول أصول وقواعد تلك اللغة ، حتى ان كبار العلماء في هذا المجال غير متأكدين من معاني بعض المقاطع التي جاءت في النصوص .
قدمت اللغة السومرية ألغازاً تحمل تحدياً صارخاً لمفهوم تطور عقل الإنسان الرافديني في بناء أول حضارة في التأريخ .
تحية إجلال واكبار لأولئك الأشخاص المميزون الذين نفذوا مهمة صعبة للغاية في تخليد كلماتهم ، وذلك عندما قاموا بتدوينها ، كي يبعثوا برسالة بليغة الى عالمنا المعاصر ، تشرح فيها أفكارهم وممارساتهم في الحياة اليومية المختلفة عن العالم القديم …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جيسون مولر ـ التقاليد الأدبية السومرية ـ لوغوغرام للنشر ـ 1995 .
ماري لوي تومسن ـ اللغة السومرية ـ أكادمسك فورلاج للنشر ـ الدانمارك ـ 1984.
روجر . د . ويدرد ـ لغات العالم القديمة ـ مطبعة جامعة كامبردج ـ 2004 .